التباطؤ الاقتصادي في ألمانيا: هل هو الرجل المريض في أوروبا مرة أخرى؟

التباطؤ الاقتصادي في ألمانيا: هل هو الرجل المريض في أوروبا مرة أخرى؟
Dionysis Partsinevelos
03 سبتمبر 2024, 14:40 م
  • يتميز التباطؤ الاقتصادي في ألمانيا بقلة الاستثمار، وانخفاض النمو، وتقلص القوى العاملة وشيخوخة المجتمع.
  • إن سياسات الطاقة التي انتهجتها البلاد في السنوات القليلة الماضية كانت مضللة، مما أدى إلى تكاليف باهظة.
  • إن الاستراتيجية الجيوسياسية لألمانيا تثير المخاوف بشأن استقرارها ونفوذها في أوروبا في المستقبل.

إن ألمانيا، التي كانت في يوم من الأيام المحرك الاقتصادي لأوروبا، تواجه الآن تباطؤاً خطيراً.

لقد مر اقتصاد البلاد بمرحلة صعبة، اتسمت بالنمو البطيء، وتقلص القوى العاملة، والقرارات المثيرة للجدل، والتحديات الهيكلية التي تهدد سمعتها واستقرارها على المدى الطويل.

وباعتبارها أكبر اقتصاد في أوروبا، فإن الصعوبات التي تواجهها ألمانيا لا تشكل مصدر قلق وطني فحسب، بل لها آثار كبيرة على القارة بأكملها.

هل ألمانيا هي "الرجل المريض في أوروبا" أم أن الأمل يلوح في الأفق؟

اقتصاد "قديم" وبطيء

الحقيقة موجودة، لقد عانى الاقتصاد الألماني خلال الأعوام القليلة الماضية.

كانت أستراليا الدولة الوحيدة في مجموعة الدول السبع الكبرى التي انكمش اقتصادها في عام 2023، ومن المتوقع أن تنمو بنسبة 0.2% فقط في عام 2024، وهو الأبطأ بين نظيراتها.

ويشير هذا الأداء البطيء إلى مشكلات أعمق تتراكم منذ سنوات.

إن القوة العاملة في البلاد آخذة في الانكماش، حيث من المتوقع أن ينخفض عدد السكان في سن العمل (الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و64 عاماً) بنسبة 1% سنوياً على مدى نصف العقد المقبل.

وقد أدى هذا الاتجاه الديموغرافي، إلى جانب انخفاض نمو الإنتاجية ــ أقل من 1% في السنوات الأخيرة ــ إلى وضع سقف منخفض للتوسع الاقتصادي.

إن القوة العاملة في ألمانيا لا تتقلص فحسب، بل إنها تعمل ساعات عمل أقل من أي دولة أخرى في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، مما يؤدي إلى تفاقم مشكلة الإنتاجية.

وعلاوة على ذلك، فإن مستويات الاستثمار العام في ألمانيا منخفضة بشكل مثير للقلق. ففي الفترة من 2018 إلى 2022، بلغ متوسط الاستثمار العام 2.3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وهو أحد أدنى المعدلات بين البلدان ذات الدخل المرتفع، الأمر الذي يحد من إمكانات النمو في البلاد.

إن هذا الاستثمار غير الكافي يتجلى بوضوح في البنية الأساسية المتقادمة في البلاد، والتي فشلت في تلبية توقعات مشجعي كرة القدم الأوروبيين الذين توافدوا على ألمانيا هذا الصيف، محطمين الأحكام المسبقة الإيجابية التي ظلت قائمة منذ فترة طويلة حول نظام النقل في البلاد.

يشتكي المواطنون منذ فترة طويلة من إلغاء الرحلات، وتأخير الوصول والمغادرة، وضعف الصيانة في البنية التحتية، معتبرين أن "دويتشه بان" التي كانت تحظى بالإشادة في السابق غير موثوقة.

حماية البيئة المضللة

إن قرار ألمانيا بإغلاق محطات الطاقة النووية، حتى في خضم أزمة الطاقة، يعكس سياسة بيئية موجهة نحو النمو السلبي والتي جاءت بنتائج عكسية.

وقد أدى هذا إلى اعتماد البلاد بشكل أكبر على مصادر الطاقة كثيفة الكربون والاعتماد على الواردات الباهظة الثمن، مما أدى إلى تقويض انتقالها الأخضر.

وعلاوة على ذلك، لم تكن هذه المحطات مصادر طاقة خالية من الكربون فحسب، بل كانت أيضاً ضرورية للحد من اعتماد ألمانيا على الغاز الطبيعي الروسي.

ومع إغلاق هذه المحطات، تواجه ألمانيا الآن أزمة طاقة، مما يضطرها إلى الاستثمار بكثافة في محطات الغاز الطبيعي التي تنتج الكربون لسد الفجوة التي خلفتها الطاقة النووية.

وقد أدت هذه الخطوة إلى زيادة تعرض ألمانيا لصدمات الطاقة، وخاصة في ضوء المشهد الجيوسياسي المتقلب في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا.

الأخطاء الجيوسياسية والاستراتيجية

كما خضعت الاستراتيجية الجيوسياسية الألمانية للتدقيق والفحص. فقد كانت ألمانيا بطيئة في زيادة ميزانيتها الدفاعية، على الرغم من التهديدات الأمنية المتزايدة في أوروبا.

ورغم تعهد ألمانيا بأن تصبح "ترسانة الديمقراطية" في أوروبا، فإن إنفاقها الدفاعي لم يواكب هذه الوعود.

وفي الواقع، وفقا لموقع بوليتيكو، أعلنت الحكومة الألمانية مؤخرا تجميد المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، وإعادة توجيه الأموال إلى أولويات محلية أخرى.

وأثار هذا القرار المخاوف بشأن التزام ألمانيا بالأمن الأوروبي، وخاصة في مواجهة العدوان الروسي المحتمل في حال سقوط أوكرانيا.

علاوة على ذلك، أصبحت العلاقات الاقتصادية بين ألمانيا والصين نقطة خلاف.

وعلى الرغم من تحذيرات الحكومة بشأن مخاطر الاعتماد المفرط على السوق الصينية، واصلت الشركات الألمانية، وخاصة في قطاع السيارات، ضخ استثماراتها في الصين.

لقد أدت استراتيجية "في الصين ومن أجل الصين"، حيث تعيد الشركات استثمار الأرباح التي حققتها في الصين داخل البلاد، إلى انخفاض صادرات ألمانيا إلى الصين، وهي واحدة من النقاط المضيئة القليلة في اقتصادها في أعقاب الأزمة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

وتعاني البيئة السياسية في ألمانيا أيضاً من مشاكل، إذ يوجد نظام سياسي مجزأ يجعل من الصعب تنفيذ الإصلاحات الضرورية.

تعاني الحكومة الائتلافية بقيادة المستشار أولاف شولتز من الانقسام بشأن قضايا رئيسية مثل الضرائب والاستثمار العام والتنظيم، مما أدى إلى توقف التقدم.

أصبحت معدلات الموافقة على الحكومة منخفضة، كما يكتسب حزب البديل من أجل ألمانيا الشعبوي اليميني المتطرف شعبية متزايدة، مما يزيد من الخوف وعدم اليقين الذي يحيط بالأمة.

نموذج اقتصادي متهالك

إن النموذج الاقتصادي الألماني، الذي كان يُشاد به في السابق باعتباره ناجحاً، بدأ الآن يُظهِر علامات التوتر. فقد اعتمدت البلاد تاريخياً على قطاع التصنيع والصادرات لدفع عجلة النمو.

ومع ذلك، فإن التحول العالمي نحو الخدمات، إلى جانب نهاية عصر العولمة وتزايد الحمائية، كان له تأثير قوي على الاقتصاد الألماني المعتمد على التصدير.

وبالإضافة إلى ذلك، أدت الاستراتيجية التي تبنتها الصين مؤخراً، والمتمثلة في نسخ التكنولوجيا الألمانية واستبدالها، إلى تقويض قطاع التصنيع في ألمانيا، حيث تباطأت التجارة العالمية، وأصبحت الصين الآن منافساً.

وتتفاقم هذه المشكلات بسبب مقاومة ألمانيا لتبني التقنيات الرقمية، الأمر الذي يجعلها تتخلف عن الركب في مجال الاقتصاد الرقمي العالمي.

وعلى الرغم من كونها أكبر اقتصاد في أوروبا، فإن دور ألمانيا في القطاع الرقمي لا يزال ضئيلا، مما يهدد قدرتها التنافسية على الساحة العالمية.

إن الصين تعاني من قلة شركات البرمجيات الكبرى، وقطاع البحث والتطوير راكد، وسوق الإسكان معوقة بالتنظيم المفرط. كما تعاني البيروقراطية في البلاد من التصلب، مما يؤدي إلى إبطاء العمليات الحيوية مثل البناء وتبني التكنولوجيا.

الطريق إلى الأمام في أوروبا

إن الوضع الحالي الذي تعيشه ألمانيا هو نتيجة لمجموعة من الصدمات الخارجية والجروح الذاتية.

إن إحجام البلاد عن زيادة الاستثمار العام، وتبني التحول الرقمي، والتكيف مع الديناميكيات العالمية المتغيرة جعلها عرضة للركود الاقتصادي.

وعلاوة على ذلك، فإن سياستها في مجال الطاقة، واستراتيجيتها الدفاعية، والاعتماد المفرط على الصين، أثارت المخاوف بشأن استقرارها ونفوذها في أوروبا على المدى الطويل.

ولكي تتجنب ألمانيا المزيد من الانحدار، يتعين عليها أن تعالج هذه التحديات بشكل مباشر. ويشكل زيادة الاستثمار العام، وخاصة في البنية الأساسية والتعليم، ضرورة أساسية لتعزيز الإنتاجية ودعم النمو في الأمد البعيد.

إن احتضان التقنيات الرقمية وتقليص البيروقراطية يمكن أن يساعد في تحديث الاقتصاد وتعزيز قدرته التنافسية العالمية.

وعلاوة على ذلك، فإن اتباع نهج أكثر استراتيجية في التعامل مع سياسة الطاقة والإنفاق الدفاعي من شأنه أن يضمن الأمن الوطني ويقلل الاعتماد على الأسواق الأجنبية المتقلبة.

أثار التباطؤ الاقتصادي المستمر في ألمانيا مخاوف بشأن الصحة العامة للاقتصاد الأوروبي، وهو ما قد يلقي بثقله على اليورو.

لقد أشار البنك المركزي الأوروبي بالفعل إلى التحول نحو دورة خفض أسعار الفائدة، وهي الخطوة التي تهدف عادة إلى تحفيز النمو.

ومع ذلك، إذا استمر الركود الاقتصادي في ألمانيا، فقد يؤدي ذلك إلى التأثير المعاكس، مما يدفع المستثمرين الأوروبيين نحو أسواق أكثر قوة مثل الولايات المتحدة.

إن مستقبل ألمانيا كزعيمة اقتصادية لأوروبا أصبح على المحك. ومع تراجع الولايات المتحدة عن زعامتها التقليدية للأمن الأوروبي، يتعين على ألمانيا أن ترتقي إلى مستوى الحدث.

إن أوروبا، في غياب أي تحرك حاسم، معرضة لخطر التعرض للتهديدات الخارجية، وخاصة من جانب روسيا. والواقع أن الزعامة الألمانية، على المستويين الاقتصادي والعسكري، تشكل ضرورة أساسية لحماية استقرار أوروبا ومستقبلها.

الآن هو الوقت المناسب لألمانيا للتوقف عن "التلاعب" واتخاذ إجراءات حاسمة.