أسعار النفط تواصل الانخفاض: السعودية تبتعد عن هدف 100 دولار في سعيها لاستعادة هيمنتها على السوق

أسعار النفط تواصل الانخفاض: السعودية تبتعد عن هدف 100 دولار في سعيها لاستعادة هيمنتها على السوق
Dionysis Partsinevelos
26 سبتمبر 2024, 16:34 م
  • السعودية تتحول من التركيز على أسعار النفط المرتفعة إلى استعادة حصتها في سوق النفط.
  • ويضيف ضعف الطلب العالمي، وخاصة من الصين، ضغوطا هبوطية على أسعار النفط.
  • قد تؤدي زيادة إنتاج المملكة العربية السعودية إلى انخفاض الأسعار وزيادة التقلبات.

لقد عادت أسعار النفط إلى دائرة الضوء، وربما ليس للأسباب الأفضل. فمن المقرر أن تزيد المملكة العربية السعودية، أكبر دولة مصدرة للنفط الخام في العالم، إنتاجها في ديسمبر/كانون الأول، متخلية بذلك عن هدفها السابق المتمثل في سعر 100 دولار للبرميل.

وقد يؤدي هذا القرار إلى إعادة تشكيل سوق النفط العالمية في الأشهر المقبلة مع سعي المنتجين والمستهلكين الآخرين إلى التكيف مع الواقع الجديد المتمثل في انخفاض الأسعار.

وتأتي هذه الخطوة في وقت يشهد تغيرات في ديناميكيات العرض، وضعف نمو الطلب، والتحديات الاقتصادية في الدول الرئيسية المستوردة للنفط مثل الصين والولايات المتحدة.

عهد جديد للسياسة السعودية؟

وكان قرار المملكة العربية السعودية التخلي عن هدفها غير الرسمي لسعر 100 دولار للبرميل بمثابة المفاجأة.

منذ عام 2022، خفضت السعودية وأعضاء آخرون في أوبك+ الإنتاج لتحقيق استقرار الأسعار بسبب حالة عدم اليقين الاقتصادي.

وبلغت هذه الجهود الرامية إلى التحكم في العرض ودعم الأسعار ذروتها في عام 2022 عندما بلغ متوسط سعر خام برنت 99 دولارا للبرميل، وهو أعلى مستوى في ثماني سنوات، ويرجع ذلك جزئيا إلى تقلبات السوق الناجمة عن غزو روسيا لأوكرانيا.

ومع ذلك، تشير التطورات الأحدث إلى أن المملكة العربية السعودية تحول تركيزها من الأسعار المرتفعة إلى استعادة حصتها في السوق.

وبحسب تقرير لصحيفة "فاينانشيال تايمز" ، يستعد المسؤولون السعوديون لزيادة الإنتاج بدءاً من ديسمبر/كانون الأول، على الرغم من المخاوف من أن يؤدي ذلك إلى فترة طويلة من انخفاض الأسعار.

ويأتي القرار في وقت تشهد فيه سوق النفط العالمية بالفعل ضعفا في نمو الطلب وارتفاع الإمدادات من دول خارج أوبك مثل الولايات المتحدة.

وتفاعلت أسعار النفط الخام سريعا مع هذه الأنباء. ففي يوم الخميس، انخفضت العقود الآجلة لخام برنت بنسبة 2.57% إلى 71.57 دولار للبرميل، كما انخفض خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 2.63% إلى 67.86 دولار.

وتأتي هذه الانخفاضات بعد فترة وجيزة من المكاسب في وقت سابق من الأسبوع، والتي كانت مدفوعة بالتفاؤل بشأن حزمة التحفيز الاقتصادي في الصين.

تحقيق التوازن بين حصة السوق والأولويات الوطنية

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن قرار زيادة الإنتاج يرجع جزئيا إلى المخاوف بشأن فقدان حصة السوق أمام المنافسين، وخاصة منتجي النفط الصخري في الولايات المتحدة.

ورغم نجاح تخفيضات أوبك+ في تعزيز الأسعار مؤقتًا، فإنها خلقت أيضًا مساحة للمنتجين من خارج أوبك لزيادة حصتهم في السوق العالمية.

ومع إظهار الصين، أكبر مستورد للنفط في العالم، نموا ضعيفا في الطلب، وزيادة الولايات المتحدة للإنتاج، تسعى المملكة العربية السعودية الآن إلى استعادة بعض الأرض التي فقدتها بسبب التخفيضات.

وتختلف هذه الاستراتيجية عن التركيز الذي تبنته المملكة العربية السعودية في الآونة الأخيرة على تعظيم الإيرادات.

وكانت ميزانية المملكة، التي تعتمد بشكل كبير على دخل النفط، متوازنة حول سعر مستهدف يقدر بنحو 100 دولار للبرميل.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن المملكة العربية السعودية تحتاج إلى أسعار نفط بالقرب من هذا المستوى لتمويل خطط الإنفاق الطموحة، بما في ذلك سلسلة من المشاريع الضخمة في إطار رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، وهي مبادرة إصلاح اقتصادي واسعة النطاق تهدف إلى تنويع اقتصاد البلاد.

ورغم أهمية عائدات النفط، يبدو المسؤولون السعوديون واثقين من قدرة المملكة على تجاوز فترة انخفاض الأسعار.

وتتمتع المملكة العربية السعودية بخيارات تمويل بديلة، مثل احتياطيات النقد الأجنبي وإصدار الديون السيادية.

وتمنح هذه الوسادة المالية المملكة بعض المرونة في تحويل تركيزها من ضبط الأسعار إلى حماية حصتها في سوق النفط العالمية.

ما هي آليات التسعير التي يجب الانتباه إليها؟

وتأتي زيادة إنتاج المملكة العربية السعودية في وقت يشهد تقلبات في ديناميكيات العرض والطلب العالمي.

وتواجه الصين، التي تعد المحرك الرئيسي لاستهلاك النفط العالمي، صعوبات في تحقيق أهدافها للنمو الاقتصادي، حيث تعهدت حكومتها مؤخرا بتقديم المزيد من التحفيز المالي للوصول إلى معدل نمو قدره 5%.

ورغم هذه الجهود، لا يزال محللو السوق يشعرون بالقلق إزاء تباطؤ نمو الطلب من الصين، وهو ما لا يزال يؤثر سلبا على أسعار النفط العالمية.

وفي الوقت نفسه، تؤثر تطورات أخرى على العرض. فقد تتمكن ليبيا، التي واجهت اضطرابات في إنتاج النفط بسبب عدم الاستقرار السياسي، من حل مشاكلها الداخلية المحيطة بالسيطرة على عائدات النفط قريباً.

وأشار بيان صدر مؤخرا عن الأمم المتحدة إلى أن ممثلين من شرق وغرب ليبيا توصلوا إلى اتفاق بشأن تعيين محافظ للبنك المركزي، وهي خطوة من شأنها استعادة الاستقرار لصادرات النفط في البلاد.

ومن شأن عودة الإمدادات الليبية أن تضيف المزيد من النفط إلى سوق تتمتع بالفعل بإمدادات جيدة، وهو ما من شأنه أن يخفف الضغوط الصعودية على الأسعار.

وأشارت روسيا، وهي منتج رئيسي آخر للنفط وعضو رئيسي في أوبك+، إلى أنها لا تخطط لإغراق السوق بكميات إضافية من النفط. ومع ذلك، أقر المسؤولون الروس بأن تكاليف الإنتاج ترتفع مع تزايد صعوبة استخراج النفط.

أعلن نائب وزير الطاقة الروسي بافيل سوروكين مؤخرا أن هدف إنتاج النفط في البلاد من المقرر أن يصل إلى 540 مليون طن سنويا بحلول عام 2030، ولكن من الممكن إجراء تعديلات اعتمادا على ظروف السوق.

وبالإضافة إلى هذا المزيج من عوامل العرض والطلب، تلعب الأحداث الطبيعية مثل الأعاصير دوراً أيضاً.

أدى إعصار هيلين، الذي ضرب فلوريدا مؤخراً، إلى إغلاق احترازي لإنتاج النفط في خليج المكسيك.

وتوقف إنتاج نحو 500 ألف برميل يوميا، أو ما يقرب من 30% من الإنتاج في المنطقة، مؤقتا.

ومع ذلك، من المتوقع أن تكون هذه الخسائر قصيرة الأجل، حيث تجنبت العاصفة حقول النفط والغاز الرئيسية في الخليج.

هل ينبغي لنا أن نتوقع انخفاض الأسعار وزيادة التقلبات في المستقبل؟

ورغم أن المستهلكين قد يرحبون باحتمال انخفاض أسعار الوقود، فإنه لا ينبغي الاستهانة بالتداعيات الأوسع نطاقا على أسواق الطاقة العالمية والمنتجين.

بالنسبة للمملكة العربية السعودية، فإن التحدي الذي سيواجهها يتمثل في تحقيق التوازن بين رغبتها في استعادة حصتها في السوق والحاجة إلى الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي وتمويل أهداف التنمية طويلة الأجل.

وستعتمد قدرة المملكة على التعامل مع بيئة الأسعار المنخفضة على احتياطياتها المالية ونجاح جهودها في تنويع الاقتصاد في إطار رؤية 2030.

وعلى نطاق أوسع، فإن زيادة العرض من المملكة العربية السعودية، إلى جانب ضعف نمو الطلب في الأسواق الرئيسية وعودة الإمدادات المتقطعة من دول مثل ليبيا، قد تبقي الأسعار منخفضة في الأمد القريب.

ومع ذلك، فإن الأحداث الجيوسياسية والكوارث الطبيعية والتحولات غير المتوقعة في الطلب العالمي لا تزال قادرة على خلق التقلبات.

وبشكل عام، سيتعين على المشاركين في السوق مراقبة علامات الامتثال داخل أوبك+، حيث تجاوز بعض الأعضاء حصص إنتاجهم.

وقد يكون قرار المملكة العربية السعودية برفع الإنتاج بمثابة تحذير لهذه الدول للالتزام بالخطة، وإلا فإنها تخاطر بزعزعة استقرار التوازن الدقيق بين العرض والطلب.

كما هو الحال دائما في عالم النفط، لا شيء ثابت، والسوق قد تتحول مرة أخرى دون سابق إنذار.