الاقتصاد الألماني يكافح للتعافي: هل نتجه نحو عقد ضائع؟
- ويواجه الاقتصاد الألماني فجوة في الميزانية قدرها 40 مليار يورو وعجزا في عائدات الضرائب قدره 60 مليار يورو.
- تشير بلومبرج إلى حدوث استقرار، لكن قطاعي التصنيع والسيارات لا يزالان يعانيان.
- إن الجمود السياسي وتكاليف الطاقة تشكل تهديداً لمرونة الاقتصاد الألماني.
ويشهد الاقتصاد الألماني، الذي يعتبر قلب أوروبا، علامات تراجع مثيرة للقلق.
بعد أن كان الاقتصاد الألماني مشهوراً في الماضي بمرونته، أصبح الآن يبرز باعتباره الأبطأ نمواً بين دول مجموعة السبع ومنطقة اليورو.
وتشير التوقعات الأخيرة لصندوق النقد الدولي إلى انكماش متوقع بنسبة 0.2% في عام 2024 ونمو بنسبة 0.8% فقط في عام 2025 ــ وهو ما يبتعد كثيرا عن التوسع القوي الذي ارتبط ذات يوم بزعيم الصناعة في أوروبا.
إن الفجوة في الميزانية التي تتجاوز 40 مليار يورو، إلى جانب انخفاض الإيرادات الضريبية التي من المتوقع أن تقل بمقدار 60 مليار يورو على مدى السنوات الخمس المقبلة، ترسم صورة لبلد يعاني من جمود اقتصادي.
وبينما تعمل الشركات الصغيرة والشركات العملاقة على تشديد أحزمتها، يتساءل البعض عما إذا كانت ألمانيا على حافة "عقد ضائع".
تكاليف اعتماد ألمانيا
على مدى عقود من الزمن، كان نجاح ألمانيا يعتمد على قدرتها على توريد سلع عالية الجودة إلى مختلف أنحاء العالم، وخاصة إلى أسواق مثل الصين.
تمثل الصادرات ما يقرب من نصف الناتج المحلي الإجمالي في ألمانيا، وهو ما يزيد كثيرا عن الاقتصادات الكبرى الأخرى، مما يجعل البلاد عرضة للخطر عندما ينخفض الطلب.
اليوم، تشهد الصادرات الألمانية إلى الصين تراجعاً، وخاصة في قطاعي السيارات والآلات.
تواجه شركات مثل ديجوما، التي تنتج الآلات الصناعية، صعوبات في التعامل مع تأخير العملاء للطلبات، مشيرين إلى حالة عدم اليقين الاقتصادي وتذبذب الطلب.
وقد كشف هذا الركود في الصادرات عن المخاطر التي يفرضها اعتماد الاقتصاد بشكل كبير على الأسواق الخارجية.
ومع تحول الصين بشكل متزايد نحو الموردين المحليين وتباطؤ التجارة العالمية، فإن الاعتماد المفرط لألمانيا على الصادرات قد يؤدي إلى مشاكل للنمو على المدى الطويل.
ولقد اضطرت الحكومة الألمانية بالفعل إلى تعديل توقعاتها الضريبية نحو الانخفاض، مما يشير إلى مدى انتشار هذه الضغوط الاقتصادية.
الحلم الأخضر بثمن باهظ
كان الهدف من خطة ألمانيا الطموحة Energiewende ، أو "التحول في مجال الطاقة"، هو وضع البلاد في موقع الريادة في المبادرات المناخية، والدفع نحو اعتماد الطاقة المتجددة.
ومن المتوقع أن تصل إعانات الطاقة المتجددة إلى 18 مليار يورو بحلول عام 2025، وهو ما يمثل التزاما ماليا كبيرا.
ولكن التحول جاء بتكلفة باهظة بالنسبة للصناعة الألمانية. وبالنسبة للشركات الصغيرة على وجه الخصوص، أثبت استيعاب هذه النفقات المتعلقة بالطاقة أنه أمر صعب.
إن اعتماد ألمانيا على الطاقة الروسية - والذي أصبح واضحا بشكل صارخ عندما أدت انقطاعات الإمدادات إلى ارتفاع التكاليف بعد غزو أوكرانيا في عام 2022 - قد أدى إلى تعقيد التحول إلى مصادر الطاقة المتجددة.
في حين تهدف الحكومة إلى جعل اقتصاد ألمانيا محايدًا للمناخ، يزعم المنتقدون أن التركيز السريع على الطاقة الخضراء يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل ويقوض القدرة التنافسية، وخاصة بين الصناعات التقليدية التي تعتمد على الطاقة بأسعار معقولة.
وفي الوقت نفسه، أدى قرار ألمانيا بالتخلص التدريجي من الطاقة النووية بعد كارثة فوكوشيما عام 2011 إلى جعل البلاد أكثر عرضة لتقلبات أسعار الطاقة.
وفي الوقت الحالي، تتحمل الشركات العبء الأكبر من ارتفاع التكاليف ومشهد الطاقة غير المؤكد الذي لم يستقر بعد.
تتكيف بعض الشركات الألمانية مع التحول الأخضر في البلاد، وترى فرصة في الدفع نحو حلول مستدامة.
أعلنت شركة GNV، وهي شركة تعمل في مجال إنتاج مكونات الطاقة الحرارية الأرضية، عن زيادة بنسبة 400% في الطلبات هذا العام مع ارتفاع الطلب على التكنولوجيا الصديقة للمناخ.
ومن خلال توسيع قوتها العاملة وزيادة إنتاجها، تعمل شركة GNV والشركات المماثلة على تعزيز مكانتها ضمن الاقتصاد الأخضر الناشئ في ألمانيا.
وتُظهر هذه النجاحات إمكانية تحقيق تقدم، رغم أنها لا تمثل سوى جزء ضئيل من أبرز الشركات في البلاد.
الانقسامات السياسية تعيق التحرك الاقتصادي
تتفاقم التحديات الاقتصادية التي تواجه ألمانيا بسبب الجمود السياسي، حيث تكافح الحكومة الائتلافية بقيادة المستشار أولاف شولتز للاتفاق على السياسات الرئيسية.
إن الائتلاف، وهو تحالف غير عادي بين الديمقراطيين الاجتماعيين والخضر والليبراليين، يتصادم في كثير من الأحيان حول قضايا مثل قواعد المناخ، والسياسة الصناعية، والإصلاح الاقتصادي، مما يترك قادة الأعمال محبطين بسبب التأخير والتردد.
وقد كان لهذا الخلاف تأثير ملموس على الاقتصاد.
وكشف استطلاع رأي حديث أن ما يقرب من 37% من الشركات الألمانية تفكر الآن في خفض الإنتاج أو نقل العمليات إلى الخارج، مقابل 31% في العام السابق.
لقد خلق موقف الحزب الأخضر القوي بشأن سياسات المناخ حالة من التوتر داخل الائتلاف، مما أثار انتقادات من جانب الشركات والقادة المحليين على حد سواء.
وفي مناطق مثل تورينجيا، يلقي أصحاب الأعمال باللوم على زيادة الأعباء التنظيمية في خنق النمو، في حين أدت العقبات البيروقراطية والضرائب المرتفعة إلى إضعاف ثقة الأعمال بشكل أكبر.
ويُنظر إلى هذا المأزق السياسي، إلى جانب البنية الأساسية المتقادمة، على نحو متزايد باعتباره عائقاً أمام الإصلاحات الهيكلية التي تحتاجها ألمانيا للحفاظ على قدرتها التنافسية.
صناعة السيارات في ألمانيا على حافة الهاوية
وباعتبارها واحدة من أكبر المساهمين في الناتج المحلي الإجمالي للبلاد، فإن قطاع السيارات في ألمانيا يعاني الآن من ارتفاع التكاليف، وانخفاض الطلب على المركبات الكهربائية، والمنافسة الشرسة من الشركات المصنعة الصينية التي تقدم المركبات الكهربائية بأسعار معقولة.
أعلنت شركة فولكس فاجن مؤخرا عن إغلاق أول مصانعها في ألمانيا، وهي خطوة تاريخية تعكس التباطؤ الأوسع في صناعة السيارات.
لقد خفضت شركات مثل بي إم دبليو ومرسيدس بنز توقعات الأرباح، مستشهدة بضعف الطلب، وخاصة في الصين - وهي السوق التي كانت تمثل في وقت ما حصة كبيرة من مبيعاتها.
وتمتد التأثيرات المتتالية إلى مختلف أنحاء الصناعة، حيث تؤثر على العديد من الموردين والشركات الصغيرة التي تدعم مصنعي السيارات في ألمانيا.
وقد دفع هذا التحول بعض شركات صناعة السيارات إلى محاولة التكيف مع الوضع. على سبيل المثال، تعهدت شركة فولكس فاجن باتخاذ تدابير لخفض التكاليف، بما في ذلك تسريح العمال وخفض الإنتاج المحتمل، للحفاظ على قدرتها التنافسية.
ولكن مع تزايد فقدان الوظائف وضعف سلاسل التوريد، بدأ تباطؤ الصناعة يظهر في إحصاءات التوظيف في ألمانيا.
ويشكل هذا الوضع إشارة تحذيرية للمستقبل الاقتصادي للبلاد، نظراً لأهمية قطاع السيارات بالنسبة للهوية الصناعية لألمانيا والاقتصاد الأوسع.
هل تستطيع ألمانيا استعادة مرونتها الاقتصادية؟
أصبحت التوقعات بشأن ألمانيا نقطة محورية لوجهات نظر متباينة، حيث قدمت التقارير الأخيرة مزيجاً من التفاؤل والحذر.
ويشير تقرير حديث لوكالة بلومبرج إلى أن التباطؤ الاقتصادي في ألمانيا "ربما يكون في طريقه إلى الانتهاء"، مع تحسن طفيف في ثقة الأعمال.
ويشير مؤشر توقعات إيفو، الذي ارتفع في أكتوبر/تشرين الأول، إلى استقرار محتمل مع ظهور قطاعات مثل السياحة وتكنولوجيا المعلومات.
بالنسبة لقطاع الخدمات، الذي شهد مكاسب وسط صراعات التصنيع، تقدم البيانات الأخيرة بصيصا من الأمل.
ولكن معظم خبراء الاقتصاد ما زالوا غير مقتنعين، ويجادلون بأن هذا التفاؤل ربما يكون سابقا لأوانه.
لا تزال القاعدة الصناعية في ألمانيا في وضع هش. وعلى الرغم من بعض القراءات الإيجابية، فإن البيانات الاقتصادية الأوسع نطاقاً تكشف عن قضايا عميقة الجذور لا تزال تؤثر سلباً على النمو.
في ظل عجز متوقع في الإيرادات الضريبية على مدى خمس سنوات بقيمة 60 مليار يورو وفجوة في الميزانية تزيد عن 40 مليار يورو، فإن التوقعات المالية لألمانيا تشير إلى جمود اقتصادي وليس انتعاش.
لا تزال أغلب الصناعات التقليدية تعاني من ارتفاع التكاليف، وعدم اليقين بشأن الطاقة، والعقبات السياسية.
ويقول الخبراء إن هناك حاجة ماسة إلى إصلاحات هيكلية لخفض تكاليف الطاقة، وتبسيط القواعد التنظيمية، وإعادة بناء البنية التحتية في ألمانيا.
وقد أدى الجمود السياسي داخل الحكومة الائتلافية إلى تأخير الإصلاحات الضرورية، ويشير استطلاع حديث إلى أن 37% من الشركات تفكر الآن في نقل عملياتها أو خفض الإنتاج بسبب هذه الأعباء.
من المؤكد أن الضغوط على الاقتصاد الألماني أصبحت أشد من أي وقت مضى. وسوف يتطلب مساره إلى الأمام اتخاذ إجراءات حاسمة لسد الفجوة بين نقاط القوة الصناعية التقليدية ومتطلبات الاقتصاد الأخضر.
في الوقت الراهن، تصبح إمكانية ضياع عقد كامل أعلى فأعلى مع مرور الأشهر، مما يترك أكبر اقتصاد في أوروبا عند مفترق طرق حيث يمكن لكل قرار أن يحدد مستقبل البلاد.
صعود الأسهم الآسيوية يدعم نيكي وهانغ سنغ وكوسبي مع آمال اتفاق أميركا وإيران
مؤشرا نيكاي 225 وكوسبي يرتفعان مع هبوط عوائد السندات في اليابان وكوريا
شي جينبينغ استضاف ترامب ثم بوتين وبيّن مصدر نفوذ الصين
زيبمبابوي ZiG: العملة المدعومة بالذهب تبقى مستقرة رغم المخاطر
مؤشر Nifty 50 مهدد بصعود عوائد السندات الهندية وانهيار الروبية
لم يتم العثور على نتائج
جارٍ تحميل المقالات...
Failed to load articles. Please try again.