لماذا يتراجع الاقتصاد الأسترالي بعد عقود من النمو؟

لماذا يتراجع الاقتصاد الأسترالي بعد عقود من النمو؟
Diya Poddar
14 يناير 2025, 14:47 م
  • من المتوقع أن ينمو الناتج المحلي الإجمالي في أستراليا بنسبة 0.8% فقط في عام 2024، وهو ما يتخلف عن الولايات المتحدة ومنطقة اليورو.
  • من المتوقع أن يصل التضخم إلى ذروته عند 7.8% في عام 2022؛ وتظل الأجور الحقيقية أقل بنسبة 4.8% عن مستويات ما قبل الجائحة.
  • ويواجه سوق الإسكان عجزًا قدره 106,300 وحدة سكنية بحلول عام 2027.

بعد ثلاثة عقود من التوسع الاقتصادي المتواصل، لم يعد الأداء الاقتصادي الأسترالي يشكل المعيار العالمي الذي كان عليه في السابق.

وبعد أن اشتهرت البلاد بقدرتها على الصمود، وخاصة أثناء الأزمة المالية العالمية في عام 2008، أصبحت الآن تكافح تباطؤ النمو، وانخفاض الإنتاجية، وركود مستويات المعيشة.

وتثير هذه التحديات البنيوية تساؤلات حول استدامة نموذجها الاقتصادي في ظل المشهد العالمي سريع التطور.

تباطؤ النمو في أستراليا

سجل الناتج المحلي الإجمالي الأسترالي نموًا بنسبة 0.8% فقط على أساس سنوي خلال الأرباع الثلاثة الأولى من عام 2024، متخلفًا عن الولايات المتحدة (3.1%) ومنطقة اليورو (0.9%).

ويشير هذا الأداء الضعيف، إلى جانب سبعة أرباع متتالية من النمو السلبي للفرد، إلى أن البلاد كانت لتعاني من ركود فني لولا النمو السكاني الناجم عن الهجرة.

لا يزال التضخم، الذي بلغ ذروته عند 7.8% في ديسمبر/كانون الأول 2022، يشكل مصدر قلق ملح. وفي حين تمكنت دول متقدمة أخرى من مواءمة نمو الأجور مع التضخم، ظلت الأجور الحقيقية في أستراليا أقل بنسبة 4.8% عن مستويات ما قبل الجائحة حتى أواخر عام 2023.

ارتفعت ديون الأسر، وارتفعت أقساط الرهن العقاري بشكل كبير بسبب رفع أسعار الفائدة من قبل بنك الاحتياطي الأسترالي، مما ترك العديد من الأسر تكافح من أجل تلبية احتياجاتها.

نقاط الضعف الهيكلية في الاقتصاد الأسترالي

إن العامل الرئيسي وراء تباطؤ الاقتصاد الأسترالي هو اعتماده المفرط على صادرات السلع الأساسية، وخاصة خام الحديد والفحم، لتغذية النمو الاقتصادي.

ومع تراجع الطلب العالمي على هذه الموارد، وخاصة مع قيام الصين بتنويع سلاسل التوريد الخاصة بها وإعطاء الأولوية للتحول إلى الطاقة الخضراء، تأثرت عائدات التصدير الأسترالية بشكل كبير.

ويؤكد هذا الضعف على ضرورة التنويع في أسواق التصدير والقطاعات.

وتشكل الإنتاجية قضية ملحة أخرى. فوفقاً لبيانات حديثة، كان نمو إنتاجية العمالة في أستراليا من بين الأضعف بين بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية.

وقد أدى هذا الركود، إلى جانب البنية التحتية القديمة ونقص المساكن، إلى زيادة الضغوط على الاقتصاد.

وتشير تقديرات تقرير صادر عن مؤسسة التمويل والاستثمار السكني الوطنية إلى عجز قدره 106.300 وحدة سكنية بحلول عام 2027، مما يؤدي إلى تفاقم مشاكل القدرة على تحمل التكاليف وخفض الإنفاق الاستهلاكي.

فشل السياسات والفرص الضائعة

كما خضع النهج السياسي الذي اتبعته أستراليا أثناء جائحة كوفيد-19 وبعدها للتدقيق.

وفي حين استخدمت العديد من البلدان الأزمة كفرصة للاستثمار في الطاقة الخضراء والابتكار والبنية الأساسية، ركزت التدابير المالية الأسترالية إلى حد كبير على الإغاثة قصيرة الأجل دون رؤية واضحة على المدى الطويل.

على سبيل المثال، تظل الاستثمارات في الطاقة المتجددة والتقنيات الناشئة منخفضة نسبيا، مما يجعل البلاد غير مستعدة للتحول العالمي نحو النمو المستدام.

إن التشديد النقدي العدواني الذي اتبعه بنك الاحتياطي الأسترالي لمكافحة التضخم كان بمثابة سلاح ذو حدين.

ورغم أن الارتفاع السريع في أسعار الفائدة إلى 4.35% كان ضروريا لاستقرار الأسعار، فإنه أدى إلى خنق الإنفاق الاستهلاكي، الذي يمثل أكثر من نصف الناتج المحلي الإجمالي في أستراليا.

وقد اعترف وزير الخزانة جيم تشالمرز بهذه التحديات، لكنه لم يكشف بعد عن إصلاحات شاملة لمعالجتها.

وكانت سياسة الهجرة أيضا قضية مثيرة للجدل. ففي حين بلغ صافي الهجرة رقما قياسيا بلغ 547200 في عام 2023، واجه صناع السياسات انتقادات لعدم الاستعداد بشكل كاف للضغوط التي فرضها هذا التدفق على الإسكان والبنية الأساسية.

وعلى الرغم من أن الحكومة أعلنت عن خططها لخفض مستويات الهجرة، فإن الخبراء يزعمون أن النهج الأفضل سيكون الاستفادة من الهجرة لتعزيز الإنتاجية والابتكار مع معالجة النقص في الإسكان.

هل يستطيع الاقتصاد الأسترالي التعافي؟

يتفق خبراء الاقتصاد على أن الإصلاحات الهيكلية ضرورية لإنعاش الاقتصاد الأسترالي.

وتشمل الأولويات تعزيز الإنتاجية من خلال الاستثمار في التكنولوجيا والتعليم والبنية الأساسية؛ وتنويع الصادرات إلى ما هو أبعد من السلع الأساسية؛ وتعزيز الابتكار في القطاعات ذات النمو المرتفع مثل الطاقة المتجددة والتصنيع المتقدم.

ويشكل الإصلاح الضريبي مجالاً بالغ الأهمية. فما زال النظام الضريبي في أستراليا يعتمد إلى حد كبير على ضرائب الدخل والشركات، مع مساهمة ضئيلة من ضرائب الاستهلاك.

إن التحول نحو هيكل ضريبي أكثر توازناً من شأنه أن يساعد في تمويل الاستثمارات الضرورية دون إثقال كاهل الأسر والشركات.

وأخيرا، فإن تعزيز المرونة الاقتصادية يتطلب الحد من الاعتماد على شركاء تجاريين رئيسيين مثل الصين وتطوير علاقات أقوى مع الأسواق الناشئة.

ولا يعد هذا التنوع ضروريا للاستقرار الاقتصادي فحسب، بل يتماشى أيضا مع الاتجاهات العالمية نحو الحد من المخاطر في سلاسل التوريد.