هل يتجه الاقتصاد الإسرائيلي نحو الانهيار مع استمرار الحرب في غزة؟

هل يتجه الاقتصاد الإسرائيلي نحو الانهيار مع استمرار الحرب في غزة؟
Dionysis Partsinevelos
27 أغسطس 2024, 14:48 م
  • عانى الاقتصاد الإسرائيلي من تباطؤ حاد، مع انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 19.4٪ في الربع الأخير من عام 2023.
  • إن انخفاض الإنتاجية وإفلاس الشركات وخفض التصنيف الائتماني كلها عوامل تؤدي إلى إغراق اقتصاد البلاد.
  • إننا نشهد هجرة جماعية لرأس المال البشري في الوقت الذي تطالب فيه بلدان أخرى بفرض عقوبات.

لقد أدى الصراع المستمر بين إسرائيل وحماس، والذي اندلع في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى خسائر مأساوية ليس فقط في الأرواح البشرية، بل وأيضاً على الاقتصاد الإسرائيلي.

ومع استمرار الحرب دون ظهور نهاية واضحة في الأفق، فإن الاستقرار المالي في إسرائيل أصبح على حافة الهاوية.

لقد أدى الجمع بين العمليات العسكرية المطولة إلى تعطيل الحياة اليومية وتوقف الأنشطة الاقتصادية مما ترك البلاد على شفا الانهيار الاقتصادي.

إن هذا الوضع يعد تذكيرا صارخا بمدى قدرة الصراعات المستمرة على تدمير اقتصاد أي دولة وتهديد استقرارها وازدهارها في المستقبل.

إسرائيل: أمة تحت الحصار

وفي أعقاب هجمات السابع من أكتوبر/تشرين الأول مباشرة، حشدت إسرائيل 300 ألف جندي احتياطي، مما أدى إلى سحب جزء كبير من قوتها العاملة من وظائفها وأعمالها.

ورغم أن هذا التجنيد الضخم ضروري للدفاع الوطني، فإنه أدى إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في إسرائيل، مما أدى إلى شل إنتاجية الأمة.

ومع غياب مئات الآلاف من المواطنين فجأة عن القوى العاملة، انخفضت الإنتاجية بشكل حاد، مما أدى إلى انكماش حاد في الناتج المحلي الإجمالي لإسرائيل.

بحلول نهاية الربع الرابع من عام 2023، انكمش الاقتصاد بنسبة مثيرة للقلق بلغت 19.4% على أساس سنوي - وهو انحدار أكثر حدة مما توقعه أي شخص.


المصدر: فاينانشال تايمز

وتفاقمت التداعيات الاقتصادية بسبب إجلاء أكثر من 120 ألف إسرائيلي من المناطق القريبة من الحدود الشمالية والجنوبية، مما أدى إلى تعطيل المجتمعات والاقتصادات المحلية.

وقد أدت القيود المفروضة على العمال الفلسطينيين من الضفة الغربية، الذين يلعبون دوراً حاسماً في قطاع البناء في إسرائيل، إلى نقص العمالة، مما أدى إلى توقف المشاريع وإبطاء النمو الاقتصادي بشكل أكبر.

ومع ارتفاع الإنفاق الحكومي بنسبة 88% في الأشهر الأخيرة من عام 2023 لدعم الجهود العسكرية والمواطنين النازحين، انهار الإنفاق الاستهلاكي، وهو عنصر حيوي في النشاط الاقتصادي، بنسبة 27%.

إن هذا المزيج من ارتفاع النفقات وانخفاض الإيرادات يمهد الطريق لأزمة اقتصادية عميقة وطويلة الأمد.

بداية النهاية: التداعيات العالمية

وقد ظهر التأثير الكامل للصراع على مالية الدولة في فبراير/شباط 2024، عندما خفضت وكالة موديز التصنيف الائتماني السيادي لإسرائيل من A1 إلى A2.

وكان تخفيض التصنيف بمثابة إشارة تحذيرية قوية تعكس المخاوف المتزايدة بشأن قدرة إسرائيل على إدارة ديونها المتزايدة والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي في ظل الصراع المستمر.

وبعد فترة وجيزة، حذت وكالة فيتش حذوها ، حيث خفضت تصنيف ديون إسرائيل طويلة الأجل من A+ إلى A مع نظرة مستقبلية سلبية، مشيرة إلى استمرار الحرب، وزيادة المخاطر الجيوسياسية، وارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى ما يزيد عن 70%.

وقد أبرز هذا الصيف أن السياحة، التي تساهم بشكل كبير في الاقتصاد الإسرائيلي، قد انهارت تقريبا منذ بداية الحرب.

لقد تعرض القطاع، الذي كان يدر مليارات الدولارات سنويا، للتدمير، مع تجنب الزوار الدوليين للقدوم إلى بلد متورط في صراع.

وبحسب صحيفة معاريف العبرية، فإن أكثر من 46 ألف شركة أعلنت إفلاسها، في حين أن الاستثمارات الأجنبية التي انخفضت بالفعل بنسبة 60% في الربع الأول من عام 2023 بسبب سياسات اليمين المتطرف التي تنتهجها حكومة إسرائيل، لا تظهر أي علامات على التعافي.

إن غالبية الأموال المستثمرة في صناديق الاستثمار الإسرائيلية تتحول بسرعة إلى استثمارات في الخارج لأن الإسرائيليين لا يريدون أن تكون صناديق التقاعد الخاصة بهم أو صناديق التأمين أو مدخراتهم مرتبطة بمصير دولة إسرائيل.

والآن، ربما تكون عمليات إغلاق هذه الشركات مجرد البداية. فوفقًا لتقديرات نقلتها صحيفة تايمز أوف إسرائيل، من المتوقع إغلاق ما يصل إلى 60 ألف شركة قبل نهاية عام 2024.

وقد تعرضت ثقة المستثمرين، التي اهتزت بالفعل بسبب الصراع المطول، لضربة أخرى. وارتفعت تكاليف الاقتراض بالنسبة لإسرائيل، الأمر الذي أدى إلى تعقيد الجهود الرامية إلى تمويل الحرب وغيرها من النفقات الحكومية.

ولكن تطمينات رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بأن الاقتصاد سوف يتعافى بمجرد انتهاء الحرب لم تساعد كثيراً في تخفيف المخاوف، خاصة وأن الصراع لم يظهر أي علامات على نهايته.

وقد أبرزت تخفيضات التصنيف حقيقة مفادها أن حتى الدولة التي تتمتع باقتصاد قوي تاريخيا قد تواجه ضائقة مالية شديدة إذا انجرفت إلى صراع طويل ومكلف.

السيناريو الأسوأ: الركود التضخمي

بحلول منتصف عام 2024، أصبح من الواضح بالفعل أن الاقتصاد الإسرائيلي كان يكافح من أجل استعادة موطئه.

وشهد الربع الثاني من العام نمواً في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.2% فقط، وهو ما يقل كثيراً عن توقعات المحللين وغير كافٍ لتعويض الخسائر الفادحة التي تكبدتها البلاد في الأشهر السابقة.

وقد سلط هذا النمو البطيء الضوء على عمق الضرر الاقتصادي الذي ألحقته الحرب.

واستمرت قضايا جانب العرض، وخاصة النقص المستمر في العمال الفلسطينيين الذين كانوا يشكلون أهمية حاسمة لقطاع البناء، في إعاقة التعافي الاقتصادي.

المصدر: Tradingeconomics

وبدأ التضخم، الذي كان تحت السيطرة نسبيا في المراحل الأولى من الصراع، في الارتفاع أيضا.

وبحلول يوليو/تموز 2024، ارتفع معدل التضخم إلى 3.2%، متجاوزاً النطاق المستهدف من جانب الحكومة، مضيفاً طبقة أخرى من التعقيد للتحديات الاقتصادية التي تواجه إسرائيل.

ووجد بنك إسرائيل نفسه في موقف صعب، حيث أصبح غير قادر على خفض أسعار الفائدة لتحفيز النمو بسبب التوترات الجيوسياسية المستمرة وضغوط الأسعار المتزايدة.

المصدر: Tradingeconomics

"الرمز الأحمر" لإسرائيل

إن الخسائر المالية الناجمة عن الصراع الدائر هائلة. فوفقاً لتقديرات خبراء الاقتصاد الإسرائيليين، فإن الحرب كلفت البلاد بالفعل أكثر من 250 مليار شيكل (67.3 مليار دولار أميركي).

ومن المتوقع أن يرتفع هذا الرقم مع استمرار الصراع، حيث تسعى المؤسسة الدفاعية الإسرائيلية إلى زيادة سنوية إضافية لا تقل عن 20 مليار شيكل (5.39 مليار دولار) فقط لدعم العمليات العسكرية.

ويقترب هذا المستوى من الإنفاق من المستويات "المفرطة"، مع ارتفاع عجز الموازنة مؤخرا إلى مستوى غير مستدام بلغ 8.1% من الناتج المحلي الإجمالي، مما دفع إلى دعوات عاجلة للإصلاح المالي.

اتخذ محافظ بنك إسرائيل، أمير يارون، خطوة غير عادية عندما حث رئيس الوزراء نتنياهو علناً على تنفيذ تغييرات دائمة على ميزانية الدولة.

وفي رسالة إلى رئيس الوزراء، أكد يارون على الحاجة إلى تخصيص 30 مليار شيكل (8 مليارات دولار) لمعالجة الفجوة المالية المتزايدة والحفاظ على مصداقية إسرائيل في الأسواق المالية الدولية.

وقد سلطت دعوة يارون الضوء على خطورة الوضع الاقتصادي. فقد استمر الإنفاق العسكري في الارتفاع، في ظل عدم وجود نهاية للصراع في الأفق، وما زال خطر اندلاع حرب إقليمية أوسع نطاقا تشمل إيران وحزب الله قائما.

ورغم هذه الضغوط المتزايدة، بدا أن الحكومة الإسرائيلية مترددة في اتخاذ الخطوات الضرورية، ولكن الحساسة سياسياً، لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

إن التردد في خفض الإنفاق التقديري أو زيادة الضرائب يعكس حسابات سياسية أوسع نطاقا، حيث يتجنب نتنياهو على الأرجح التدابير غير الشعبية التي يمكن أن تؤدي إلى تنفير قواعد الناخبين الرئيسية.

ولم يؤد هذا التقاعس إلا إلى تعميق الأزمة الاقتصادية، مما أدى إلى تكهنات بأن الحكومة ربما تؤخر إصلاحات الميزانية عمداً إما لتجنب ردة الفعل المحلية أو لإعداد المسرح لإجراء انتخابات مبكرة.

الهجرة الجماعية قد تهدد هوية الأمة

وبعيداً عن التأثير الاقتصادي الفوري، تواجه إسرائيل قضية طويلة الأمد قد تكون أكثر ضرراً، وهي ظاهرة هجرة الأدمغة.

لطالما كانت إسرائيل تفتخر بأنها "دولة ناشئة"، مع قطاع مزدهر في مجال التكنولوجيا الفائقة والذي قاد الكثير من النجاح الاقتصادي للبلاد.

ومع ذلك، فإن الصراع المطول والتوقعات الاقتصادية القاتمة تدفع عددا متزايدا من الإسرائيليين المتعلمين تعليما عاليا إلى التفكير في الهجرة.

إن نظرة سريعة على التاريخ تظهر لنا أن دولاً مثل اليونان وجامايكا والهند وباكستان عانت من هذه الظاهرة بالذات.

ولا تزال هذه البلدان تعاني من عواقب رحيل القوى العاملة الأكثر مهارة من البلاد بسبب الصعوبات الاقتصادية المختلفة.

وأظهرت دراسات حديثة أن هؤلاء المغتربين نادراً ما يعودون إلى وطنهم.

إن هذا النزوح المحتمل للمواهب يشكل تهديداً كبيراً لمستقبل إسرائيل. ذلك أن صناعة التكنولوجيا الفائقة، التي تمثل جزءاً كبيراً من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد وكانت محركاً رئيسياً للابتكار والنمو الاقتصادي، تعتمد إلى حد كبير على قوة عاملة صغيرة تتمتع بمهارات عالية.

وإذا بدأ هذا التجمع من المواهب في الانكماش، فقد تواجه إسرائيل تراجعا كبيرا في قدرتها على الحفاظ على مكانتها كقائد عالمي في مجال التكنولوجيا والابتكار.

إن العبارة "من دولة ناشئة إلى دولة منغلقة"، التي صاغتها حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات، تجسد تماما الخطر الحقيقي المتمثل في أن إسرائيل قد تشهد توقف محركها الاقتصادي إذا تسارعت وتيرة هجرة الأدمغة.

إن تقلص حجم المواهب قد يؤدي إلى تراجع البحث والتطوير، وانخفاض الاستثمار الأجنبي، وتباطؤ إنشاء الشركات والصناعات الجديدة.

وبمرور الوقت، قد يؤدي هذا إلى تآكل القدرة التنافسية لإسرائيل في الاقتصاد العالمي، مما يؤدي إلى انخفاض معدلات النمو وانخفاض مستوى المعيشة.

ويمكن أن تكون التأثيرات طويلة الأمد مدمرة، ليس فقط للاقتصاد، بل وأيضاً لقدرة إسرائيل على الحفاظ على تفوقها التكنولوجي والعسكري في المنطقة، فضلاً عن التغيرات الديموغرافية المحتملة.

الفصل الأخير: العزلة

وهناك قضية حرجة أخرى تواجهها إسرائيل وهي احتمال زيادة العقوبات الدولية.

ورغم أن إسرائيل تتمتع منذ فترة طويلة بدعم قوي من حلفائها الغربيين الرئيسيين، وخاصة الولايات المتحدة، فإن الصراع المطول والخسائر الكبيرة في صفوف المدنيين في غزة أثارت إدانة دولية متزايدة.

أصبحت الدعوات لفرض عقوبات على إسرائيل أعلى، وخاصة في أجزاء من أوروبا وداخل المنظمات الدولية مثل الأمم المتحدة.

إن فرض العقوبات قد يكون له تأثير مدمر على الاقتصاد الإسرائيلي الهش بالفعل.

ويقدم التاريخ الحديث أمثلة صارخة لكيفية تأثير العقوبات على دولة ما، مثل إيران وروسيا.

ومن الممكن أن تكون عواقب هذه العقوبات بسهولة انخفاض قيمة العملة، والتضخم المفرط، وانكماش الناتج المحلي الإجمالي على المدى الطويل، وانخفاض حاد في مستويات المعيشة للمواطنين.

وإذا واجهت إسرائيل عقوبات مماثلة، وخاصة في شكل قيود تجارية أو عزلة مالية، فإن التأثير لن يكون أقل من كارثي.

إن اقتصاد الدولة مندمج بشكل كبير في السوق العالمية، وخاصة من خلال قطاع التكنولوجيا الذي يعتمد على الاستثمار الدولي والشراكات، فضلاً عن صادراتها من الطاقة التي تعتمد على علاقات تجارية قوية.

وقد أظهرت التطورات الأخيرة علامات تحذيرية تشير إلى أن هذا السيناريو من المرجح أن يتحقق عاجلاً وليس آجلاً. على سبيل المثال، لا تزال شبكة الكهرباء في إسرائيل، التي تحولت إلى حد كبير إلى الغاز الطبيعي، تعتمد على الفحم لتلبية الطلب.

إن أكبر مورد للفحم إلى إسرائيل هي كولومبيا، التي أعلنت أنها ستعلق شحنات الفحم إلى إسرائيل طالما استمرت الحرب.

إن الاختيارات التي سيتم اتخاذها في الأشهر المقبلة سوف تحدد ما إذا كانت إسرائيل قادرة على تحقيق الاستقرار الاقتصادي وتأمين مستقبلها، أو ما إذا كانت ستواجه مستقبلاً حيث تتآكل الركائز الأساسية لنجاحها الاقتصادي ــ الابتكار، والموهبة، والقدرة التنافسية العالمية.

إن الطريق أمامنا محفوف بعدم اليقين، ولكن من الواضح أنه بدون اتخاذ إجراءات حاسمة، قد تتجه إسرائيل نحو فترة غير مسبوقة من الاضطرابات الاقتصادية والاجتماعية.