هل يستطيع الاقتصاد الإسباني أن يعلّم أوروبا كيفية النجاح؟
- ستتصدر إسبانيا اقتصادات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في عام 2024، مع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3٪ و1.8 مليون وظيفة جديدة منذ عام 2019.
- وينبع النجاح من إصلاحات العمل والمالية، وصادرات الخدمات، ونمو القوى العاملة المدفوع بالهجرة.
- لا تزال هناك تحديات في مجال المعروض من الإسكان والاستثمار الخاص، ولكن النموذج الإسباني يقدم دروساً لأوروبا.
يشهد الاقتصاد الإسباني ازدهارًا كبيرًا، حيث سيكون عام 2024 أحد أفضل أعوامه في تاريخه الحديث.
ومن المتوقع أن ينمو الاقتصاد بنسبة 3%، أي ما يقرب من أربعة أضعاف المتوسط في منطقة اليورو.
لقد أضاف سوق العمل 1.8 مليون وظيفة منذ عام 2019، وانخفضت عائدات السندات إلى ما دون نظيرتها الفرنسية لأول مرة منذ عام 2007، كما تباطأ التضخم إلى مستويات يمكن التحكم فيها.
تُعَد إسبانيا الآن أفضل اقتصاد أداءً بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لهذا العام. ويشكل هذا التحول تحولاً بارزاً بشكل خاص بالنسبة لدولة كانت ذات يوم مرادفة للأزمة الاقتصادية.
كيف تمكنت إسبانيا من تغيير مسارها، وما الذي يمكن لأوروبا أن تتعلمه من هذا ؟
التعافي المبني على الإصلاحات
إن النجاح الذي حققته إسبانيا حاليا يعود في المقام الأول إلى الإصلاحات الهيكلية التي أجريت بعد الأزمة المالية قبل عقد من الزمان.
وقد أتاحت تعديلات سوق العمل مرونة أكبر في إعادة التفاوض على العقود والحد من إساءة استخدام العمالة المؤقتة. وشجعت هذه الإصلاحات الشركات على الاستثمار في الموظفين الدائمين، الأمر الذي عزز استقرار الوظائف.
ولعبت الإصلاحات التي طرأت على القطاع المالي دوراً حاسماً أيضاً. فقد أدى توحيد البنوك في أعقاب أزمة عام 2008 إلى استقرار النظام المالي، الأمر الذي عزز ثقة المستثمرين.
وعلاوة على ذلك، أدت السياسات التي تشجع الطاقة المتجددة، مثل إلغاء "ضريبة الشمس"، إلى تحفيز طفرة في الطاقة الخضراء، مما يربط إسبانيا بالقطاعات الموجهة نحو المستقبل.
وقد أرست هذه التغييرات السياسية الأساس لنمو ثابت للناتج المحلي الإجمالي، مع توسع الاقتصاد بمعدل سنوي قدره 3% بين عامي 2015 و2019.
ورغم أن الوباء أوقف هذا التقدم مؤقتًا، فقد تعافت إسبانيا منذ ذلك الحين، وتتفوق الآن على الاقتصادات الأوروبية الأكبر مثل ألمانيا وفرنسا.
الخدمات، وليس التصنيع، هي التي تقود الطريق
إن المحرك الرئيسي لنمو إسبانيا هو تحولها من التصنيع التقليدي إلى الخدمات.
لقد ظل الإنتاج الصناعي راكداً، رغم أنه كان أقل تأثراً بتكاليف الطاقة المرتفعة مقارنة بألمانيا.
وفي الوقت نفسه، شهدت صادرات الخدمات ارتفاعاً حاداً، وخاصة في مجال التكنولوجيا والاستشارات والهندسة.
تجاوزت صادرات الخدمات غير السياحية عائدات السياحة لأول مرة خلال الوباء.
لا شك أن السياحة تظل حيوية بالنسبة للاقتصاد الإسباني. ويشهد القطاع ازدهاراً ملحوظاً مع توقعات باستقبال 90 مليون زائر في عام 2024، وهو رقم قياسي.
لكن الاعتماد على السياحة أثار المخاوف بشأن الاستدامة، مع ارتفاع أسعار العقارات وانتشار "رهاب السياحة" بين السكان المحليين.
الهجرة وقوة سوق العمل
لقد كان نهج الباب المفتوح الذي تنتهجه إسبانيا تجاه الهجرة محركا آخر للنمو.
ارتفع عدد سكان البلاد بمقدار 1.5 مليون نسمة منذ عام 2019، وكان جميع الوافدين الجدد تقريبًا من المهاجرين، ومعظمهم من أمريكا اللاتينية.
وقد ساهم هذا التدفق في سد فجوات حرجة في سوق العمل، وخاصة في قطاع الضيافة، حيث ربع القوة العاملة من المولودين في الخارج.
كما عززت الهجرة الناتج الاقتصادي. ففي حين ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 7% مقارنة بعام 2019، فإنه ارتفع بنسبة 3% فقط للفرد، وهو ما يعكس الدور الضخم الذي لعبه الوافدون الجدد في دفع النمو الإجمالي.
ومع ذلك، انخفض معدل البطالة إلى 11%، وهو أدنى مستوى له منذ أكثر من عقد من الزمان.
ورغم هذه المكاسب، لا يزال التفاوت في الدخل قائما. إذ تظل الأجور الحقيقية للعديد من الأسر أقل من مستويات ما قبل عام 2019، ولم تبدأ الأجور المتوسطة في الارتفاع إلا مؤخرا.
ومع ذلك، أدت الزيادات في الحد الأدنى للأجور في عهد رئيس الوزراء بيدرو سانشيز إلى رفع دخول العمال ذوي الأجور المنخفضة بشكل أسرع من المتوسط الوطني.
الاقتصاد الإسباني: المخاطر والعقبات
ولكن ليس كل شيء على ما يرام في اقتصاد إسبانيا. إذ يظل الاستثمار الخاص أقل من مستوياته في عام 2019، ويرجع هذا جزئيا إلى تردد الشركات في التعامل مع التغييرات الضريبية المتكررة واللوائح التنظيمية الخاصة بالعمل.
وقد أثار قرار الحكومة بتمديد الضرائب الطارئة على البنوك وشركات الطاقة مخاوف بشأن خنق توافر الائتمان وتثبيط الاستثمار.
ويشكل الإسكان قضية ملحة أخرى. فقد أدت الهجرة وقطاع السياحة المزدهر إلى ارتفاع أسعار العقارات، الأمر الذي أدى إلى خلق عنق زجاجة من شأنه أن يحد من النمو في المستقبل.
وبدون جهود كبيرة لتوسيع المعروض من الإسكان، فإن البلاد تخاطر بتفاقم التفاوت وفقدان قدرتها التنافسية في جذب المواهب.
وأخيرا، يشكل عدم الاستقرار السياسي مشكلة أخرى. إذ تواجه حكومة الأقلية في إسبانيا، التي تعتمد على ائتلاف من الأحزاب اليسارية والقومية، صعوبات في تمرير الإصلاحات.
ورغم أن سياسات مثل صناديق الجيل القادم للاتحاد الأوروبي كانت محركاً للاستثمار العام، فإن استدامة النمو على المدى الطويل سوف تتطلب التركيز المتجدد على التحسينات الهيكلية، وخاصة في التعليم والابتكار.
ماذا يمكن لأوروبا أن تتعلم من إسبانيا؟
إن النجاح الذي حققته إسبانيا مؤخراً يتحدى الاعتقاد بأن أوروبا متجهة نحو الركود الاقتصادي، ويقدم دروساً قيمة للدول الأخرى.
الدرس الأول هو إعطاء الأولوية لصادرات الخدمات. فمن خلال التركيز على القطاعات ذات القيمة العالية مثل التكنولوجيا والهندسة، تمكنت إسبانيا من تنويع اقتصادها إلى ما هو أبعد من السياحة والتصنيع.
ويمكن للبلدان التي تعتمد بشكل كبير على الصناعات التقليدية أن تستفيد من محور مماثل.
وثانيا، أثبت تبني الهجرة فعاليته في سد النقص في العمالة وتعزيز الناتج الاقتصادي.
وتوفر سياسة الباب المفتوح التي تنتهجها إسبانيا نموذجاً للدول التي تعاني من ارتفاع معدلات الشيخوخة السكانية، إذ تشجعها على إعادة النظر في السياسات التقييدية التي تحد من نمو القوى العاملة.
وأخيرا، تؤكد تجربة إسبانيا على الإمكانات التحويلية التي تنطوي عليها الإصلاحات الهيكلية.
ويوضح التأثير الطويل الأمد لإصلاحات نظام العمل والنظام المالي أهمية صنع السياسات الاستباقية.
وعندما تتكامل هذه الإصلاحات مع السياسات التطلعية في مجال الطاقة والتكنولوجيا، فإنها قد تؤدي إلى تحقيق تقدم اقتصادي كبير.
وتقدم قصة نجاح إسبانيا نموذجاً للتغلب على التحديات الاقتصادية من خلال التنوع والانفتاح والإصلاح.
ربما تحتاج اقتصادات منطقة اليورو إلى إيلاء المزيد من الاهتمام لاستراتيجية البلاد، لأن التوقف عن التحرك لم يعد خياراً.
صعود الأسهم الآسيوية يدعم نيكي وهانغ سنغ وكوسبي مع آمال اتفاق أميركا وإيران
مؤشرا نيكاي 225 وكوسبي يرتفعان مع هبوط عوائد السندات في اليابان وكوريا
شي جينبينغ استضاف ترامب ثم بوتين وبيّن مصدر نفوذ الصين
زيبمبابوي ZiG: العملة المدعومة بالذهب تبقى مستقرة رغم المخاطر
مؤشر Nifty 50 مهدد بصعود عوائد السندات الهندية وانهيار الروبية
لم يتم العثور على نتائج
جارٍ تحميل المقالات...
Failed to load articles. Please try again.