الفائض التجاري القياسي للصين: هل قد يؤدي هذا إلى إشعال حرب تجارية مع الولايات المتحدة؟

الفائض التجاري القياسي للصين: هل قد يؤدي هذا إلى إشعال حرب تجارية مع الولايات المتحدة؟
Dionysis Partsinevelos
14 يناير 2025, 14:55 م
  • يظهر الفائض الصيني البالغ 1.6 تريليون دولار اعتمادًا كبيرًا على الصادرات وسط ضعف الطلب المحلي.
  • تشكل الرسوم الجمركية التي يخطط ترامب لفرضها تهديدا للاقتصاد الصيني المعتمد على التصدير واستقرار التجارة.
  • وتواجه بكين صعوبات في التعامل مع الانكماش، وفائض الطاقة الإنتاجية، وانخفاض الاستهلاك على الرغم من السياسات الجديدة.

من المتوقع أن يصل الفائض التجاري للصين إلى ما يقرب من تريليون دولار في عام 2024، مدفوعًا بصادرات قياسية تبلغ 3.6 تريليون دولار، وفقًا للبيانات الرسمية.

وأثار الفائض الذي يعادل 992.2 مليار دولار أميركي، مخاوف بشأن موجة جديدة من التوترات التجارية العالمية، خاصة مع استعداد دونالد ترامب للعودة إلى البيت الأبيض بوعود بفرض رسوم جمركية كبيرة على السلع الصينية.

ولكن هذا الفائض يكشف عن نقاط ضعف عميقة في النموذج الاقتصادي الصيني واعتماده الكبير على الصادرات للتعويض عن ضعف الطلب المحلي.

لماذا فائض الصين مرتفع إلى هذا الحد؟

سجلت صادرات الصين نموا بنسبة 6.7% من حيث القيمة و11.6% من حيث الحجم منذ بداية العام حتى نوفمبر/تشرين الثاني، مما يعكس زيادة في الشحنات إلى أسواق رئيسية مثل الولايات المتحدة وجنوب شرق آسيا.

وتتوقع الشركة أن تصل الصادرات إلى الولايات المتحدة وحدها إلى 525 مليار دولار في عام 2024، بزيادة قدرها 4.9% عن العام السابق، مع ارتفاع حاد بنسبة 15.6% في ديسمبر.

وكان هذا النمو مدفوعا جزئيا بـ"التحميل المسبق"، حيث سارعت الشركات إلى استكمال شحناتها قبل الرسوم الجمركية المتوقعة من جانب ترامب.

ولكن الواردات كانت لها قصة مختلفة. فقد نمت واردات الصين بنسبة 1.1% فقط في عام 2024، بسبب تباطؤ الاستهلاك المحلي وانخفاض أسعار السلع الأساسية.

ويسلط النمو الضعيف للواردات الضوء على اقتصاد غير متوازن، حيث تعمل مكاسب التصدير على إخفاء القضايا الهيكلية في الداخل.

ما هو السبب وراء اختلال التوازن التجاري في الصين؟

ويسلط الفائض الضوء بشكل خاص على اعتماد الصين الكبير على الصادرات لتشغيل اقتصادها.

يظل الطلب المحلي ضعيفا على الرغم من الحوافز الحكومية مثل دعم المقايضة للسيارات والأجهزة المنزلية والإلكترونيات.

ورغم أن هذه التدابير حفزت بعض النشاط، فإنها فشلت في تعويض القضايا الأكبر المتمثلة في انخفاض الإنفاق الاستهلاكي وركود نمو الدخل.

وقد ساهم تركيز الصين على التقنيات المتقدمة مثل المركبات الكهربائية، والألواح الشمسية، وأشباه الموصلات أيضا في اختلال التوازن.

ولا تزال هذه القطاعات تعاني من فائض الطاقة الإنتاجية بسبب معاناتها من إعانات الدعم الضخمة.

وقد أدى الإفراط في الإنتاج إلى خفض أسعار المصانع لأكثر من عامين وأدى إلى اتهامات بإغراق الأسواق العالمية بالسلع الرخيصة.

ضعف الطلب المحلي في الصين

يعد انخفاض الاستهلاك المحلي أحد أكبر نقاط الضعف الاقتصادية في الصين.

ارتفع مؤشر أسعار المستهلك بنسبة 0.1% فقط في ديسمبر/كانون الأول 2024، في حين استقر مؤشر انكماش الناتج المحلي الإجمالي، الذي يتكيف مع التضخم، عند الصفر.

ويخشى خبراء الاقتصاد من أن تنزلق الصين إلى فخ الانكماش على غرار ما حدث في "العقد الضائع" الذي شهدته اليابان.

الطبقة المتوسطة، التي تضررت من انهيار قطاع العقارات وعدم اليقين المرتبط بالجائحة، أصبحت تدخر أكثر وتنفق أقل.

ولكن الجهود المبذولة لتحفيز الاستهلاك، مثل توسيع نظام الضمان الاجتماعي وتقديم الدعم، لم تظهر نتائج ملموسة بعد.

بالنسبة لاقتصاد بحجم الصين، فإن هذا الافتقار إلى الطلب المحلي القوي يخلق تأثيرات متتالية تمتد إلى ما هو أبعد من حدودها.

تصاعد التوترات التجارية العالمية

ولم يمر ارتفاع الصادرات الصينية دون أن يلاحظه أحد. فقد نما الفائض التجاري الأميركي مع الصين بنسبة 6.9% في عام 2024 إلى 361 مليار دولار، وهو ما أعاد إشعال الدعوات إلى فرض تدابير تجارية أكثر صرامة.

وتعهد ترامب بفرض رسوم جمركية تصل إلى 60% على السلع الصينية، وهي الخطوة التي من شأنها أن تؤدي إلى خفض الناتج المحلي الإجمالي للصين بما يتراوح بين 0.5 و2.5 نقطة مئوية، وفقا لخبراء اقتصاديين مختلفين.

ولكن الولايات المتحدة ليست الدولة الوحيدة التي اتخذت هذا الإجراء. فقد فرض الاتحاد الأوروبي بالفعل رسوما جمركية على واردات السيارات الكهربائية الصينية، مستشهدا بمخاوف إغراق السوق.

اتخذت البرازيل والمكسيك تدابير لحماية صناعاتهما المحلية ، حيث تستهدف المكسيك المنسوجات والإلكترونيات الصينية.

وتشير هذه الاستجابات إلى ردة فعل عالمية متنامية ضد استراتيجية الصين المعتمدة على التصدير.

كيف تستجيب بكين؟

إن صناع القرار في الصين يدركون المخاطر وبدأوا في تحويل تركيزهم من الاستثمار إلى الاستهلاك.

وفي شهر ديسمبر/كانون الأول، أكد بان جونج شنغ، محافظ البنك المركزي الصيني، على الحاجة إلى رفع الدخول، وتحسين الضمان الاجتماعي، وتوسيع إعانات المستهلكين لتقليل اعتماد الاقتصاد على الصادرات.

وفي الوقت نفسه، تحاول بكين تثبيت استقرار نظامها المالي. وقد تم تنفيذ تدابير مثل إعادة تمويل ديون الحكومات المحلية ودعم أسواق العقارات، وإن كانت نتائجها متباينة.

كما اتخذ بنك الشعب الصيني خطوات غير عادية، بما في ذلك وقف عمليات شراء السندات، لمنع نشوء فقاعة سندات محتملة.

ومع ذلك، لا يزال الاستثمار الخاص ضعيفا بسبب القيود الائتمانية وانخفاض الثقة، في حين تتزايد العجز المالي.

ومن المتوقع أن يعلن المؤتمر الشعبي الوطني في مارس/آذار المقبل عن تدابير أخرى تهدف إلى تعزيز الطلب المحلي، لكن المحللين يحذرون من أن مثل هذه المبادرات قد تستغرق بعض الوقت لتحقيق النتائج.

هل يمكن لحرب تجارية جديدة أن تلحق الضرر بالصين أكثر؟

إن الصين اليوم مستعدة بشكل أفضل للحرب التجارية مقارنة بما كانت عليه خلال ولاية ترامب الأولى.

وقد قامت بتنويع أسواق صادراتها، حيث من المتوقع أن تنمو صادراتها إلى دول رابطة دول جنوب شرق آسيا بنسبة 12% في عام 2024، وهو ما يقرب من ضعف معدل نمو الصادرات الإجمالي.

ولكن هذه الاستراتيجية لها حدود. فقد أثار تحويل السلع إلى دول ثالثة، مثل فيتنام، للالتفاف على الرسوم الجمركية الأميركية التدقيق وقد يواجه إجراءات صارمة.

ومن المرجح أن تؤدي حرب تجارية مطولة إلى تفاقم الاختلالات القائمة. وقد تتفاقم مشكلة الطاقة الفائضة في قطاع التصنيع مع كفاح الاستهلاك المحلي لاستيعاب الإنتاج الزائد.

وعلاوة على ذلك، فإن التعريفات الجمركية الانتقامية من شركاء تجاريين آخرين قد تحد من قدرة الصين على إيجاد أسواق بديلة.

ومن المرجح أن يسفر اجتماع السياسة الكبير الذي ستعقده بكين في مارس/آذار عن اتخاذ المزيد من التدابير لتشجيع الناس على الإنفاق. ولكن التحدي الحقيقي الذي يواجه الصين يتمثل في إيجاد السبل لتحقيق النمو دون الاعتماد بشكل كبير على الصادرات.

وحتى ذلك الحين، ربما يبدو هذا الفائض التجاري الضخم مثيرا للإعجاب على الورق، ولكنه في واقع الأمر بمثابة إشارة تحذير لاقتصاد لا يزال يكافح من أجل إيجاد توازنه.